◄◄◄ الرئيسية - هؤلاء حاورتهم

جريدة الشرق القطرية

تاريخ النشر:  17 مايو 2015

رئيس الوزراء اللبناني في حوار شامل مع الشرق:

 تمام سلام: قطر تبذل جهودا مشكورة للافراج عن العسكريين اللبنانيين

 

أجرى الحوار في بيروت:

جابر الحرمي

 

أيام قليلة تفصلنا عن موعد مرور سنة على لبنان بدون انتخاب رئيس للجمهورية، فيما حكومة المصلحة الوطنية برئاسة دولة تمام سلام تتولى إدارة شؤون البلاد؛ منعاً للفراغ في السلطة التنفيذية.

وقد استطاع الرئيس سلام، بفضل حكمته السياسية، تجاوز الكثير من الأزمات التي تهدد لبنان. ولذلك نجح بالتعاون مع جميع أعضاء الحكومة في تنفيذ خطة أمنية لتثبيت الأمن والاستقرار.

وتمكنت الأجهزة الأمنية من دخول المناطق التي كانت حتى الأمس القريب مستعصية على سائر الحكومات.

غير أن التحديات التي تواجه لبنان لا تقف عند حدود الخطة الأمنية، فالحرائق المشتعلة في الجوار السوري وفي دول عربية، تنذر لبنان بمخاطر جمة، فيما يتصاعد القلق منارتفاع وتيرة الاستحقاقات الدستورية التي تهدد بمزيد من الفراغ في السلطات، في ظل غياب رئيس الجمهورية، ومن أبرز التحديات الخارجية اشتعالاً لقتال في جبهة القلمون الواقعة على الحدود الشرقية اللبنانية السورية. وعلى الصعيد الداخلي اقتراب موعد انتهاء فترة عمل قائد الجيش ومدير عام قوى الأمن الداخلي. فيما تقف السلطة التشريعية عاجزة عن فعل شيء تجاه إقرار التشريعات والقوانين المهمة وعلى رأسها إقرار الموازنة العامة للدولة.

إلى جانب هذه التحديات تتراكم على طاولة رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام عشرات الملفات الحساسة والمعقدة والتي تجعله لا يتردد بإعلان قلقه على المصير والمستقبل في ظل انسداد الأفق لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، لكن المتمعن في كلام الرئيس سلام يكتشف حكمته ومهارته في التعاطي مع جميع الملفات المعقدة بدرجة عالية من الحنكة السياسية، التي تجعله صاحب موقف سياسي واضح بدون أن يكون تصادمياً مع أي من الأطراف والقوى السياسية على الساحة اللبنانية.

وقد يذهب المراقبون إلى القول إن شخصية الرئيس سلام عبارة عن "خطة أمنية متكاملة " حيث إنه أضاف لمنصب رئاسة الحكومة قيمة مضافة، وشكلت شخصيته الحكيمة ضمانة لمنع انجرار البلاد نحو الفتنة وحماية السلم الأهلي. فالرئيس سلام امتداد لبيت سياسي من أعرق البيوتات السياسية التي عرفها اللبنانيون منذ الاستقلال. ولذلك كان من البديهي ان يأتي الى رئاسة الحكومة بإجماع نيابي قل نظيره، حيث جاء الى الحكم برصيد 124 صوتا من أصل 128. وقد نجح الرئيس سلام في أن يفصل بين ولائه السياسي وبين دوره كرئيس حكومة للبنان ولكل اللبنانيين، حيث أطل على اللبنانيين من القصر الحكومي كرجل دولة بامتياز، وليس كزعيم لحزب أو تيار سياسي.

وعلى هذا الأساس يجمع المراقبون على أن الاستقرار الذي ينعم به لبنان يعود إلى الإدارة الموفقة لحكومة المصلحة الوطنية برئاسة تمام سلام، الذي يفلح في ابتكار أطر للتعامل مع الملفات المعقدة، تحاكي في بعض الأحيان الحنكة السياسية التي اشتهر بها رئيس مجلس النواب اللبناني، حيث القدرة على إخراج البلاد من عنق الزجاجة في اللحظات الحرجة.

ولعل هذه الحرفية العالية في التعاطي مع مختلف القضايا تجعل الحوار مع دولة الرئيس تمام سلام غاية في الأهمية؛ كونه ينطوي على قراءة معمقة لتطورات الأحداث على الساحة اللبنانية، وما ستؤول إليه الأمور، حيث يجاهر الرئيس سلام بوصول عملية انتخاب رئيس جديد للجمهورية الى طريق مسدود بسبب غياب التوافق بين القوى السياسية اللبنانية والإقليمية.

خصوصاً وأن الأجندات الخارجية حاضرة على الساحة اللبنانية وتاريخ لبنان يشير إلى أن أحد عشر رئيساً للجمهورية من أصل اثنى عشر، تم انتخابهم نتيجة توافق عربي إقليمي دولي. ولذلك لا يخفي الرئيس سلام قلقه على مصير لبنان في ظل تنامي التسريبات حول مشاريع فيدرالية وأنظمة سياسية بديلة عن الطائف، الذي يرى فيه طوق النجاة للبنان، حيث يقول في هذا الشأن "إن دستور الطائف ليس المسؤول عما نحن فيه بل القوى السياسية. وإن إلقاء الموضوع على بنية النظام وتكوينه وعلى الدستور، هو فيرأيي هروب من المسؤولية. ولو تم العمل على استكمال مستلزمات تطبيق الطائف لكنا في حال أفضل مما نحن فيه.

ويبدي الرئيس سلام ترحيبه بالحوار القائم بين تيار المستقبل وحزب الله، الذي أرسى أجواء سياسية جيدة خففت حدة التوتر السياسي في البلد، لكنه لم يتطور إلى بلورة اتفاق سياسي على انتخا برئيس جديد للجمهورية.

أما علاقة لبنان بدول الخليج، فيراها قديمة وعريقة وأخوية لا تتوقف عند أحداث ومواقف سياسية هنا وهناك، مشيرا إلى أن مواقف نصر الله وحزب الله لا تمثل الحكومة اللبنانية، بل تمثل فريقا سياسيا.

وقال: لا ننسى المحطات التاريخية التي وقفتها دول الخليج إلى جانب لبنان في أحلك الظروف. وأشاد سلام بمواقف المملكة السعودية ودعمها للبنان حيث قدمت دعماً سخياً غير مسبوق إلى الجيش اللبناني قدره أربعة مليارات دولار وهو اكبر دعم في تاريخ لبنان.

ويحرص الرئيس سلام على التذكير بشعار "شكراً قطر" الذي حفظه اللبنانيون عن ظهر قلب، مُعرباً عن شكره وتقديره لجهود قطر ومساعيها الداعمة للبنان، منوها بجهودها لإنهاء ملف العسكريين المختطفين،وقال إن قطر قدمت كل ما هو مطلوب منها للمساعدة في الإفراج عن العسكريين، ولم يستبعد الرئيس سلام عدم تمكن مجلس النواب اللبناني من إقرار الموازنة بسبب انتهاء دورته التشريعية في نهاية الشهر الجاري، كما لا يستبعد التمديد لقائد الجيش ومدير عام قوى الأمن الداخلي لعجز القوى السياسية على التوافق على أسماء مرشحين جدد لشغل المنصبين.

وهذا نص الحوار:

- مضى عام ولبنان بدون رئيس جمهورية، إلى متى يظل منصب الرئيس شاغراً؟

* لاشك أنها حالة غير طبيعية ولها سلبياتها التي تتراكم على كل مستويات الوضع السياسي بالبلد. وبالتالي في ظل غياب التوافق بين القوى السياسية حول هذا الموضوع، يبدو أن هذا الأمر لا مخرج له.

ـ أليس هناك أفق في المدى المنظور يمكن بلوغه لحل هذه القضية؟

* المتابع للمواقف السياسية للكتل النيابية والقوى السياسية، يرى أن الأمور تسير نحو مزيد من التعقيد بدل الحلحلة المطلوبة.

ـ أليس هناك شعور بالمسؤولية من قبل التيارات السياسية للخروج من هذه الأزمة؟

* طبعاً كما هو متعارف عليه في كل الدول وفي كل المؤسسات حول العالم، عندما يكون الجسم بلا رأس، فلا بد أن يكون جسما غير مكتمل، وبالتالي غير مستوفٍ لشروط القوة والمناعة، ومن هنا فإن غياب الرئيس أو العجز عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية ينعكس سلبا على كل شيء، وليس هناك في الأفق ما يؤشر إلى أنه سيوجد حل أو مخرج لهذا الوضع.

ـ كما ذكرت دولة الرئيس، هذا الفراغ ينعكس على مؤسسات الدولة وأيضاً على مؤسسات أمنية، كيف يمكن الحيلولة دون تفاقم الوضع والدخول في أنفاق مظلمة؟

* لقد حاولنا جهدنا من خلال حكومة المصلحة الوطنية الائتلافية أن نحيط بتداعيات هذا الوضع الشاذ وتمكنا بجهد كبير من الاستمرار في معالجة العديد من الأمور من خلال السلطة التنفيذية، أي من خلال الحكومة ومن أبرزها ما له علاقة بالأمن داخل البلاد، ونجحنا إلى حد بعيد من خلال الأجهزة الأمنية والمؤسسات الأمنية والعسكرية في درء أي من الأخطار داخليا في لبنان على المستوى الأمني. واليوم نحن ننعم بأجواء استتباب الأمن داخل البلاد، مع ما يبقى هناك من تهديد على حدودنا الشرقية، وهذا التهديد يجري في ظل الأحداث في سوريا، وهي أحداث مزعجة ومقلقة. ولكن الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية وقوى الأمن الداخلي يقومون بما عليهم في محاولة عدم إفساح المجال أمام هذا الخلل وهذه الحالة الشاذة من أن تنعكس على الوضع الداخلي في لبنان.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، نعم هناك صراع سياسي قائم في البلد، وهذا الصراع السياسي لا يساعد كثيرا، علما أنه بشكل ملازم للإنجازات الأمنية، هناك حوار قائم بين القوى السياسية الكبرى. وهذا الحوار يساعد على ترطيب الأجواء، ولكن إلى الآن لم يصل إلى درجة إيجاد حلول جذرية للأزمة السياسية، ومن أبرزها انتخاب رئيس جديد للجمهورية. كذلك ينعكس هذا الأمر على أداء السلطة التشريعية كما السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية شبه مشلولة وشبه غائبة لامتناع الكتل النيابية الأساسية عن تفعيل دور التشريع ودور المجلس النيابي.

وشلل السلطة التشريعية ينعكس سلبا على أداء السلطة التنفيذية الممثلة بالحكومة. علما بأننا حققنا بعض الإنجازات، لكن الأمر يبقى دون المستوى طالما أننا لم ننتخب رئيساً للجمهورية، وبالتالي فإن استمرار الفراغ في رئاسة الجمهورية يعني أن الأمور لا تؤمل بالخير.

ـ دولة الرئيس لقد نجحتم في قيادة الحكومة في هذه الحقبة الحرجة من تاريخ لبنان، وخصوصاً تطبيق الخطة الأمنية، ما تعليقكم؟

* أنا لا أدعي هذا الإنجاز لنفسي، بل هو لجميع أعضاء الحكومة، وجميع الكتل السياسية ساعدت على ذلك بشكل أو بآخر. ربما هذا الأمر كان يجب أن ينسحب بشكل أعمق وأوسع على مستوى انتخاب رئيس للجمهورية، ولكن مع الأسف لم نبلغ هذا المستوى.

ـ كيف تسير عملية تنفيذ الخطة الأمنية داخل البلاد؟

* الخطة الأمنية قطعت شوطا كبيرا، وربما خروجا على العادة شهدت هذه الخطة صيانة مستمرة على مدى سنة كاملة؛ لأننا مع الأسف نحن معتادون على أن ننجز أمرا ما، لكننا لا نتابعه صيانة، في هذا الأمر الصيانة الأمنية قائمة على قدم وساق. وسمح ذلك بأن يترسخ هذا الأمن، ما أفسح في المجال أيضا لاستقرار داخلي انعكس على قدوم كثير للدعم من خارج لبنان وسعي كثير من الدول وجهات في القطاع الخاص لاستثمارات في لبنان، وهذا مؤشر إيجابي.

ـ في الوقت الذي نشهد فيه اشتداد الصراع في دول الجوار وخصوصاً على الساحة السورية، هل مازال مؤملاً تحصين لبنان من امتداد الحريق إليه؟

* كما يعلم الجميع من بداية التوافق السياسي الذي حصل وسمح بتأليف حكومة المصلحة الوطنية الائتلافية، كان لنا موقف واضح في البيان الوزاري تم الإعلان عنه،وهو النأي بالنفس عن الأحداث الجارية في سوريا.

ولكن بين الموقف والإعلان وبين التطبيق مع الأسف، الأمر لم يكتمل، مازلنا نحاول ونسعى لذلك، لكن في ظل عدم اكتمال النأي بالنفس، هناك مخاطر من هذه الأحداث والسعي لحماية لبنان من تداعيات الأحداث السورية هاجس دائم يقلقنا.

ومهما تكن الظروف فإننا سنستمر في السعي داخليا لدى القوى السياسية المختلفة ولدى الدول المعنية إقليميا وعربيا لحماية لبنان.

ـ بعض وسائل الإعلام اللبنانية عادت إلى الحديث نقلاً عن مصادر موثوقة إلى موضوع الفيدرالية في لبنان، هل يساورك القلق من هذا الموضوع دولةَ الرئيس؟

* عندما لا تتقدم الأمورـ كما ذكرت قبل قليل فإن الوضع السياسي الشاذ المتمثل بالعجز عن انتخاب رئيس للجمهورية يفسح في المجال أمام تراكم العديد من السلبيات. وجزء من ذلك يتمثل بما أشرت إليه من طروحات، ومن تداول لأمور فيها إضعاف لنظامنا ودستورنا وممارستنا الديمقراطية في البلد، هذا يجب الاعتراف به.

نعم هناك تداول في موضوع الفيدرالية وفي أمور أخرى تطرح من هنا وهناك لمحاولة القول إن اتفاق الطائف أو دستورنا الحالي غير مستوفٍ لدعم لاستمرار نظامنا السياسي الديمقراطي.

ولكن كما يعلم الجميع أن هناك محاولات جرت عبر السنين للحيلولة دون استكمال تعزيز وتدعيم هذا الاتفاق وهذا الدستور وليس هو المسؤول عما نحن فيه اليوم؛ لأن القوى السياسية هي المسؤولة لأنها لو أرادت أن تستكمل مستلزمات هذا الدستور وهذا الاتفاق، ربما كنا في وضع أفضل بكثير مما نحن فيه اليوم، إن إلقاء الموضوع على خلفية أن هناك تعثرا في بنية النظام وفي تكوين النظام وفي دستورنا هو في رأيي للهروب من المسؤولية.

ـ نلاحظ أن الأصوات بين الداخل والخارج تتكامل وتتناغم، ففي الوقت الذي نسمع فيه أصوات تدعو إلى تغيير الطائف إلى قيام مجلس تأسيسي تقابله أصوات من الخارج تدعو إلى الفيدرالية. فهل أصبح لبنان بحاجة إلى طائف جديد أو دوحة جديدة؟

* نحن طبعاً مرحلياً أمام مناخ غير مريح نمر به، ولكن آمل ألا نضطر لأن نوصل البلاد إلى وضع يصل فيه العجز إلى كل شيء، ليس فقط على مستوى رئيس للجمهورية، لكن الواضح أنه في لحظة انتخاب رئيس جديد للجمهورية، لا بد للدورة الديمقراطية المتمثلة بالسلطة التشريعية أن تعود بصحتها الكاملة ويعمل الجسم بكامل مكوناته.

ـ في تاريخ لبنان انتخاب الرئيس كان ثمرة عوامل خارجية سورية سعودية أمريكية إيرانية. هل ترى في الأفق ما يشير إلى احتمال توافق إقليمي على انتخاب رئيس جديد للبنان؟

ليس بجديد القول إن لبنان تقليديا يتأثر كثيرا بمحيطه العربي والإقليمي والدولي في كثير من قضاياه واستحقاقاته منذ استقلاله إلى اليوم وعلى رأسها موضوع انتخاب رئيس الجمهورية.

وفي تاريخ لبنان 12 رئيسا للجمهورية تم انتخابهم في البلد كانوا ثمرة توافق عربي وإقليمي، باستثناء رئيس واحد بفارق صوت واحد وفوز فريق على آخر. وباستثناء ذلك الإنجاز الديمقراطي، يمكن القول بكل بساطة إن الأحد عشر رئيسا جاؤوا نتيجة تأثيرات خارجية وآخر شاهد عيان هو ما جرى في الدوحة عام 2008، حيث تم الاتفاق على مصالحة وطنية اتفق بموجبها على انتخاب ميشال سليمان رئيسا للجمهورية. نعم هذا الموضوع يتطلب المواكبة من دول الجوار ودول المحيط العربي والإقليمي. وفي رأيي إن الأولوية هي لتوافق لبناني يغنينا عن كل ذلك. ونحن نرحب بكل من بادر ويبادر لمساعدتنا في هذا الاستحقاق.

ـ لكن هذا التوافق الداخلي مرتبط بأجندات خارجية؟

* كما هو معلوم إن لبنان يتأثر بالأجندات الخارجية، والقوى السياسية اللبنانية تتأثر بالأجندات الخارجية، وهي لها ارتباطات في الخارج ولها تواصل مع الخارج، ومن هذا التواصل تصبح الأجندات الخارجية حاضرة على الساحة اللبنانية.

ـ محاولات الزج بلبنان في الأزمة السورية ربما ظهرت من خلال قوات حزب الله التي تقاتل مع النظام السوري، وهو دفع فصائل أخرى للرد، ما عرض سيادة لبنان واستقراره لاختراقات، هل يمكن أن يتوقف حزب الله عن المشاركة في القتال في سوريا لتجنيب لبنان تلك التداعيات؟

هذا السؤال يوجه إلى حزب الله في الحقيقة. ولكن نحن كما قلت في حكومة المصلحة الوطنية الائتلافية نسعى مع الفرقاء ومع كل القوى السياسية لتجسيد ما اتفقنا عليه من النأي بالنفس عن أحداث سوريا. ولكن بين الموقف وبين التطبيق هناك مساحة مازالت قائمة لا تساعد على تحقيق هذا الطموح المنشود.

ـ تقصدون النأي بالنفس كنتاج للحوار الوطني؟

* المقصود النأي بالنفس كتوافق وطني حول حكومة المصلحة الوطنية الذي ظهر جليا في البيان الوزاري للحكومة الذي بموجبه حازت ثقة مجلس النواب، لكن تجسيد ذلك يتطلب استمرار الجهد على هذا الصعيد.

ـ رغم اشتداد الصراع الإقليمي وتورط حزب الله في سوريا وارتفاع حدة الخطاب السياسي بعد عاصفة الحزم، قد يكون من المستغرب استمرار الحوار الثنائي بين طرفي الصراع اللبناني والإقليمي حزب الله وتيار المستقبل، فما هي رؤيتك لهذا الأمر؟

* إن هذا الحوار السياسي الذي يواكب الاستقرار والثبات الأمني داخل البلاد هو ضرورة في هذه المرحلة. ولكن هذا الحوار لم يتبلور ولم يتطور إلى تحقيق إنجاز على المستوى السياسي لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. ولكن لا بد من القول إن هذا الحوار أرسى أجواء ومناخاً من الهدوء ومن تبريد للمواجهات والخلافات السياسية في البلد. ونأمل أن يستمر هذا الحوار، لربما يتطور إلى شيء منتج وليس فقط إلى شيء استيعابي.

- مواقف حزب الله من دول خليجية، خصوصاً تصريحات نصرالله ألم تؤثر على مواقف الحكومة اللبنانية مع دول الخليج؟

* علاقة لبنان واللبنانيين مع دول الخليج علاقة قديمة وعريقة لا تتوقف عند احداث سياسية هنا أو هناك وهذه ليست المرة الاولى التى يمر بها لبنان من المواقف السياسية التى تؤدي الى نوع من التجاذب والتصادم داخل لبنان على خلفية علاقته مع اخوانه العرب.

ولكن في رأيى انه عبر السنين تكرست علاقة اخوية تتجاوز هذه الاحداث وتتجاوز هذه المحطات والمراحل. وقد لمست مؤخرا انه يوجد كثير من الصدام والتشنج في المنطقة الذي يعاني منه لبنان كما تعاني دول الخليج منه. وقد كان ذلك مدخلا لمزيد من توطيد العلاقة بين اللبنانيين ودول الخليج. ونحن حرصنا في مناسبات عديدة وكان آخرها مؤتمر القمة العربية التى انعقدت في شرم الشيخ الى التأكيد على حرصنا على توطيد العلاقة مع اخواننا العرب وبالذات مع اخواننا في دول الخليج.

ونحن نعول كثيرا على الدور الذى تقوم به تلك الدول في احتضان الاعداد الكبيرة من اللبنانيين في ظل نهضتها وفي ظل مسيرتها والتمسك بدور اللبنانيين ولبنان يحرص ايضا على الحفاظ على ان يقدم اللبنانيون افضل ما عندهم من العطاء في اطار الحرص على افضل العلاقات مع دول الخليج واذا كانت هناك بضع حالات ملتبسة فان هناك عشرات آلاف من اللبنانيين المشاركين بشكل فعال في مسيرة بناء ونهضة دول الخليج وفي استمرار تطور وتقدم تلك الدول. ونحن حريصون على افضل العلاقات مع دول الخليج.

إننا في لبنان لا ننسى المحطات التاريخية والكبيرة التى وقفتها دول الخليج الى جانب لبنان في احلك الظروف.

فقد كان لقطر دور كبير لا ينساه اللبنانيون وتمثل بشعار رفع في لبنان وردده جميع اللبنانيين وعرف بكلمتين: شكرا قطر. شكرا على كل الدعم في اوقات المحنة في اوقات الازمة في اوقات الاستحقاقات الصعبة عندما بادرت قطر الى دعم ومؤازرة لبنان بامكانات ضخمة لبلسمة جروحه واعادة اعمار ما لحق به من دمار ومن خراب.

ودول الخليج أيضاً لا تتوقف عن دعم لبنان وربما دعم المملكة العربية السعودية الكبير والسخي غير المسبوق في المجال الامني من خلال تقديم هبة ثلاثة مليارات دولار ومن ثم رفدت بمليار اضافي لتصبح قيمتها الاجمالية اربعة مليارات دولار خصصت لمساعدة الجيش والقوى الامنية. وتزويده بأفضل المعدات والاسلحة لتمكين الجيش من مواجهة الارهاب والارهابيين الذين حاولوا ان يعتدوا على لبنان.

هنا أيضاً لابد من الاشارة الى الدور القطرى الذى يواكبنا بشكل حثيث في موضوع العسكريين اللبنانيين المخطوفين من قبل مجموعات ارهابية. وقطر لم تقصر في السعى الى تقديم كل ما هو مطلوب للافراج عن هؤلاء العسكريين، ونحن في الماضى استعنا بقطر في حالات من هذا النوع وحصدنا نتائج طيبة وتم الافراج عن لبنانيين مخطفين وقد شكرت سمو الامير على جهوده الشخصية في متابعة هذا الملف.

ـ اين وصلت المفاوضات بخصوص ملف العسكريين المختطفين؟

* هذا الملف يعرف الجميع انه شديد الحساسية وليس من السهولة بمكان وتتم متابعته وتحقيق مستلزماته للتوصل الى نتائج مرضية. وكدنا نصل الى الخاتمة لكن طرأت تطورات فعدنا من جديد في مقاربة الامر ومازلنا اليوم في ظل مساع حثيثة نأمل ان تحقق نتائج طيبة وغير بعيدة باذن الله.

ـ أشرتم دولة الرئيس إلى الهبة السعودية لتسليح الجيش اللبنانى فما هي قدرات الجيش اللبنانى على بسط نفوذه على كل مناطق لبنان وهل يمكن ان نرى الجيش وحده المسيطر على الارض اللبنانية؟

* هذا طموحنا جميعا وهذه رغبة جميع اللبنانيين لكى يتفرغوا الى شؤون حياتهم والى مشاريعهم واستثماراتهم في ظل مرجعية امنية واحدة لكل لبنان ولكل اللبنانيين. وهذا لابد ان يساعد على توحيد المواقف وعلى مواجهة كل الاعداء لأن الجيش اللبنانى هو جيش يضم اللبنانيين من كل الطوائف ومن كل المناطق ولكل اللبنانيين والجيش هو مؤسسة ناجحة وعندها صدقية وقيادة واعية والى جانبه ايضا المؤسسات الامنية الاخرى من قوى امن داخلى وامن عام ومؤسسات اخرى من الاجهزة الامنية كلها ناشطة وفاعلة ويجب ان تعطى حقها كاملا وان تحصر كل الامور العسكرية والامنية فيها.

- بخصوص الأجهزة الأمنية دوله الرئيس نحن أمام استحقاق كبير يتعلق بانتهاء ولايتي قائد الجيش ومدير عام قوى الامن الداخلى لبلوغهما سن التقاعد. كيف سيتم التعامل مع هذا الذى يشغل بال اللبنانيين؟

* اهمية الانجازات الامنية الكبيرة التى حدثت السنة الماضية وماسبقها تعود في جزء كبير منها الى حسن قيادة هذه المؤسسات وبالتالى هى مؤسسات تتجاوز الاشخاص وهكذا يجب ان يكون حال جميع المؤسسات ونرى ان كل ما من شأنه ان يعزز هذه المؤسسات يجب ان نقدم عليه.

ونرفض ان يتحول الاستحقاق الى مناسبة لاخضاع قيادة هذه المؤسسات الى التجاذبات السياسية والصراع بين القوى السياسية. ونحن نرى ان استقرار هذه الاجهزة له اولوية وضرورة وخصوصا على مستوى القيادة فاذا كان هناك عجز بين القوى السياسية للتوصل الى اختيار قادة الاجهزة فلا بد من عدم تعريضها للفراغ وايضا للشغور في مستوى القيادة.

ـ هل صحيح انه يوجد فيتو على تسليح الجيش اللبنانى من قبل دول كبرى وفاعلة اقليميا ودوليا؟

* لوكان هناك فيتو لما اتت مساعدات من الخارج الى هذا الجيش، هناك المساعدة السعودية الكريمة وغير المسبوقة وهناك المساعدات التى تأتى من امريكا وغيرها من الدول مثل فرنسا وبريطانيا، واؤكد ان الدول القادرة والتى لديها صناعات عسكرية لا تتردد في تقديم كل عناصر الدعم للجيش اللبناني.

ـ هل تسليح نوعي وفعلي أم مجرد تسليح شكلي؟

* تسليح الجيش نوعي فعلي بالسلاح والتدريب والتنظيم وهو الذي ساعدنا ويساعدنا اليوم على قيام الجيش والمؤسسات الامنية على مواجهة الارهاب والارهابيين ومن بسط سيادتها على لبنان بأكمله، وكل من يساعدنا يعلم ان جيشنا يبسط السيادة والامن في البلاد ويتصدى للارهاب والارهابيين.

ـ فيما يتعلق بعاصفة الحزم كيف تنظرون الى هذا التحالف العربى والى دوره في المستقبل؟

* نحن اليوم في صدد ما نتج عن القمة العربية التى عقدت في شرم الشيخ لجهة تشكيل قوة عربية مشتركة لمواجهة الارهاب. وهذا الامر موضع درس وبحث في المنطقة وهناك اجتماع نهاية الاسبوع القادم لمتابعة هذا الامر وقبل ذلك كان هناك اجتماع قبل اسبوعين.

ونأمل ان يتبلور في هذا الاجتماع ما من شأنه ان يعزز القدرة العسكرية العربية في مواجهة هذه التحديات ولبنان هو عضو من هذه الأسرة العربية. وسوف تستقر الامور الى ما تنتهى اليه المقررات الختامية بين قيادات الدول على هذا الصعيد.

ـ تواجه لبنان هذه الايام مشكلة اقرار الموازنة حيث يشتد التجاذب السياسى بين القوى والتيارات السياسية بشأنها فهل سيتم اقرارها؟

* موضوع الموازنة قائم اليوم في ظل جلسات متلاحقة يقوم بها مجلس الوزراء ونأمل ان يتم التوصل الى تفاهم بهذا الشأن. ولكن يبقى موضوع اقرار الموازنة من قبل السلطة التشريعية وهذا مرهون بانعقاد مجلس النواب ليس لاقرار الموازنة وحسب إنما لاقرار سلسلة من مشاريع القوانين الحيوية التى نحن بحاجة اليها. لكن الوقت بدأ يضغط علينا حيث انه في نهاية هذا الشهر تنتهى مدة انعقاد الدورة التشريعية الاولي. وفي غياب رئيس الجمهورية ليست هناك امكانية لفتح دورة استثنائية وبالتالى تذهب الامور الى شهر تشرين — اكتوبر. وهذا سينعكس سلبا على الاداء.

ـ وماذا سيكون مصير الموازنة؟

* قد لا يكون هناك مصير للموازنة، وكما هو معلوم منذ عشر سنوات يدار البلد بدون موازنة مع الاسف، وهذا امر يضعفنا ولا يسعفنا على مستوى الداخل والخارج.

ـ كيف تنظر الى الوضع الاقتصادى دولة الرئيس؟

الوضع الاقتصادى ضاغط والاوضاع تتطلب مناخا انتاجيا وتتطلب اجراءات تشريعية وفيظل غياب السلطة التشريعية واقرارها لقوانين ملحة لدعم الاقتصاد تجعلنا نعانى من غياب تلك الاجراءات. فالنظام الاقتصادي يحتاج لرفده بتشريعات جديدة تتطلب ايضا حدا أدنى من التوافق السياسي. تساهم في جذب الاستثمارات وتنعش حراك رجال الأعمال.

ـ اثارت محكمة الوزير السابق ميشال سماحة ردود افعال غاضبة عبرت عنها بعض التظاهرات الغاضبة في طرابلس فما هو موقفك من هذه القضية؟

* هذا امر في يد القضاء وعلى القضاء ان يجرى فيه ما يراه مناسبا ونحن كسلطة تنفيذية لا نتدخل في شؤون القضاء ولكن نحن نتمنى على القضاء ان يتفهم الظروف المحيطة بهذه القضية ونأمل ان يكون القضاء على المستوى لان القضية حساسة والاحكام فيها يجب ان تعزز الامن والامان داخل البلاد. ويجب الا يعطى صورة بانه غير قادر عن اتخاذ القرارات التى تحقق العدالة وتساعد على ملاحقة وضبط الخارجين على القانون. وكما يعرف الجميع الامر له جانب امنى يتمثل بالتعاطى في مستلزمات امنية لاقلاق الوضع وكذلك له جانب فتنوي. الشق الامنى ليس بالضرورة تقيمه بحجم القتل والدمار انما مدى تسببه من فتنة داخل البلد يتم ايقاعها بين اللبنانيين انفسهم طائفيا ومذهبيا وهذا مررنا به منذ فترة وكدنا ندفع اثمانا غالية لو لم يتم القضاء على كل المحاولات التى تريد الأذى بالبلد.

ـ كانت لكم زيارة إلى قطر قبل أشهر كيف تنظرون الى مستقبل العلاقات اللبنانية القطرية؟ وكيف يمكن تفعيل الاتفاقيات المشتركة بين البلدين؟

في ظل لقاءاتي الشخصية مع سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني في مناسبات عديدة كنت دائماً ألمس مدى حرصه واهتمامه بما يعود بالخير على لبنان واللبنانيين. ولمست مواقفه الجلية الداعمة للبنان. وهو موقف عربى أصيل يستحق التقدير. واعتقد أن سمو الأمير سيكون سبّاقاً في مساعدة لبنان وانقاذه. وهو يعرف لبنان واللبنانيين أكثر منا وهو يعرف المعاناة التى نمر بها ويمر بها عالمنا العربي وأعانه الله في المرحلة التاريخية والمهمة من تاريخ المنطقة على اتخاذ المواقف التي تعزز الوحدة والشموخ في عالمنا العربي.

الموقع الرسمي للكاتب الصحفي

 

www.jaber-alharmi.com

Doha - Qatar

جميع الحقوق محفوظة@2015-2017

 

أنت الزائر رقم