◄◄◄ الرئيسية - هؤلاء حاورتهم

جريدة الشرق القطرية

تاريخ النشر: 14 ابريل 2014

الخبير التربوي والرئيس التنفيذي لأكاديمية قطر للمال والأعمال الدكتور عبدالعزيز الحر:

نحتاج  لمناهج مركزية تنهي عشوائية الكتب والملخصات الدراسية

سباق القمة.. هذه الدعوة اطلقها الرئيس الامريكي أوباما بعد النتائج المتدنية للطلبة الأمريكيين في نتائج الاختبارات الدولية والشكوى المتكررة من ضعف النظام التعليمي في امريكا فجاءت هذه المبادرة استجابة لذلك النداء. فهل نحن بحاجة لخطوة مشابهة لاصلاح النظام التعليمي وتحسين مخرجاته.. تعليم يحمل شعار «العودة للأصول». خصوصا وان قطر اجتمعت فيها الرؤية الثاقبة لبناء مجتمع المعرفة والارادة السياسية لتطوير التعليم وتوافر الموارد المالية وبنية تحتية للمدارس متميزة وسلم رواتب منافس وتوافر التقنية ووصولها للمدارس بشكل سلس...

هل استثمرنا هذه اللحظة التاريخية التي تمر بها الدولة مع توافر جميع هذه المعطيات للعبور بها لمستقبل مشرق بنظام تعليمي قوي ومنافس على المستوى الاقليمي والعالمي..

رؤية قطر 2030 تسعى لبناء نظام تعليمي رائد عربيا وعالميا يساند جهود الدولة لتحقيق رؤيتها ويؤهل أبناءها لبناء المجتمع وتنمية ثروته والقدرة على المنافسة العالمية..بينما الواقع التعليمي مازال يصطدم بمعوقات فماهي اشكاليات التعليم الحقيقية في قطر؟ ولماذا تستمر هذه الاشكاليات بدون حلول ناجعة الى الآن؟كيف يمكن لنا ان ننتقل من مرحلة التشخيص الى مرحلة العلاج؟ ما هي الدروس المستفادة من الدول التي طورت أنظمتها التعليمية؟ هل يمكن لنا تطوير التعليم دون الحاجة لاقتباس أنظمة تعليمية لاتتناسب مع معطياتنا الثقافية والاجتماعية؟ هل يمكن لنا بناء نموذج تعليمي مميز وفي نفس الوقت يحافظ على هويتنا شكلا ومضمونا؟ كيف يجب ان نقود عملية التغيير في النظام التعليمي؟ وهل كوادرنا البشرية جاهزة للتغيير؟ ولماذا تعزف الكوادر القطرية عن المشاركة الكمية والنوعية في المنظومة التعليمية؟ هل الخلل في الكوادر؟ أم الخلل في المنظومة التعليمية الحاضنة؟ وما هي أولويات التغيير؟ هل هي المناهج أم التكنولوجيا أم طرق التدريس أم التقييم أم ماذا؟ هل ما يحدث في مدارسنا اليوم هو تعليم حقيقي ينتج مخرجات عالية الكفاءة والقدرة أم ينتج أنصاف متعلمين؟ هل نحن بحاجة لنظام تعليمي لا مركزي أم بحاجة لنظام تعليمي مركزي ذكي وناجح؟ هل نحن بحاجة لمعايير مناهج وطنية أم بحاجة لمناهج وطنية مركزية بأعلى مستويات الجودة والاحترافية؟ هل أجيالنا يجيدون القراءة والكتابة والحساب كما كانت تجيده الأجيال السابقة؟

 

أجرى الحوار:

جابر الحرمي

 

◄ بداية د.عبدالعزيز ما هي اشكالية التعليم لدينا في دولة قطر؟ وهل نحن نبالغ في نقدنا لمخرجات التعليم؟

► إشكاليتنا في التعليم في قطر بشكل عام هي ضعف مخرجات التعليم وعدم تناسبها مع مستوى انفاق الدولة على التعليم وطموح الدولة التي تسعى لبناء اقتصاد قائم على المعرفة وعدم ملائمتها لاحتياجات سوق العمل ومتطلباته وعدم جاهزيتها للتعليم العالي النوعي ناهيك عن القدرة على المنافسة العالمية.

 

المؤشرات العلمية

◄  قد يقول البعض هذا تشخيص عام يفتقر للعلمية والموضوعية...فهل يمكن لك أن تعطينا بعض المؤشرات العلمية التي تعزز تشخيصك لمخرجات نظامنا التعليمي؟

► هذا مطلب منصف وجيد... لو استعرضنا فقط نتائج دولة قطر في الاختبارات الدولية لوجدنا أننا في عام 2009 حققنا المرتبة 61 من بين 65 دولة مشاركة في اختبارات البيرلز وفي اختبارات التمز 2011حققنا المرتبة 51 من بين 57 دولة مشاركة.. والدول التي كانت تأخرت عنا هي دول مثل اليمن واندونيسيا واذربيجان وكازاخستان وبنما..وبقراءة الدرجات بشكل فاحص وموضوعي فاننا نجد ان نتائج دولة قطر تقل بأكثر من 100 نقطة عن المتوسط العالمي وبأكثر من 200 نقطة عن الدول المتقدمة. وبالنظر لمستوى التحسن الذي طرأ على مستوى الطلبة في الفترة من 2006 الى 2012 نجد ان متوسط مستوى تحسن الطلبة بلغ 10 نقاط سنويا في القراءة والرياضيات و6 نقاط في العلوم وهذا يعني اذا استمر الوضع بنفس الطريقة فاننا بحاجة لعشر سنوات للوصول للمتوسط العالمي و20 سنة للوصول للمستويات المتقدمة، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل هذا هو المستوى الذي نطمح له في دولة قطر؟ وهل هذا المستوى يتناسب مع حجم الدعم والانفاق الذي تقدمه الدولة للتعليم في قطر؟

 

 تطوير التعليم

◄  لو سلمنا بهذا الواقع فهل يمكن أن يكون هذا ما هو متوقع من التعليم وليس مطلوبا أكثر من ذلك؟

► بحسب فهمي لمشروع التحديث والتطوير الذي تتبناه القيادة السياسية في دولة قطر فإن هذا ليس هو المطلوب.. فالقيادة السياسية في قطر لديها رؤية حضارية لتحقيق تنمية شاملة في الدولة وضمان مستقبل الأجيال القادمة، لذلك فإن هناك رغبة حقيقية من القيادة في تطوير التعليم، والارتقاء به، ايمانا منها بان اي نهضة واي تقدم في اي مجتمع مرهون بقوة نظامها التعليمي وقوة مخرجاته وامكانيته للمنافسة العالمية، فدولة قطر تسعى لبناء اقتصاد المعرفة ومجتمع المعرفة وصيانة وتطوير ثرواتها الطبيعية والبشرية، كما تسعى لأن تكون عاصمة التعليم في المنطقة ومركزا للتعليم العالي النوعي ورائدة البحث العلمي التخصصي. لذلك كان كل هذا الدعم السياسي والمالي للتعليم والعام والعالي والبحث العلمي، وهو الأمر الذي نادرا ما يتوافر لدى العديد من الدول والمجتمعات القريبة والبعيدة وهو ما يجب استثماره لأقصى درجة ممكنة...

 

 نظام المعايير الوطنية

◄  لدينا نظام تعليمي لامركزي يتبنى نموذج المدارس المستقلة ولدينا معايير وطنية تم الاستثمار بها بشكل كبير ولدينا هيئات مسؤولة عن التعليم والتقييم والتعليم العالي ولدينا،، ولدينا... هل يمكن لك أن تلقي الضوء على بعض اشكاليات هذه المعطيات قبل الحديث عن الحلول؟..

► إن معظم الدعوات التي نادت ولازالت تنادي باللامركزية هي دعوات مرتبطة بوجود مناطق جغرافية مترامية الأطراف وهياكل تنظيمية ضخمة.. ونحن لا نعاني من هذه الاشكاليات..وانما كنا نعاني من الروتين القاتل...والبيروقراطية في اتخاذ القرار وتجمع الصلاحيات في عنق زجاجة..لذلك أقول لعله من الأفضل لدولة قطر بجغرافيتها وتجانسها وجود نظام مركزي قوي وذكي ومرن... انها معادلة يمكن تحقيقها في دولة فتية بقيادة شابة مثل دولة قطر..بحيث ينشغل النظام بتوفير أفضل الحلول والسياسات والبرامج التي من شأنها تحقيق الأهداف المرجوة...

أما بالنسبة لنظام المعايير الوطنية فإنه نظام لم يثبت نجاعته بالمستوى المطلوب في دولة قطر بالرغم من نجاحه في العديد من الدول الأخرى..والسبب في ذلك هو أن نظام المعايير الوطنية نظام متكامل له فلسفته وادواته ونظمه المساندة، لا يمكن أخذ جزء منه وترك بقية الأجزاء ونتوقع منه ذات النتائج...وهو ما قمنا به حين تبنينا جزءا من المنظومة وتركنا بقية الأجزاء فلم يعط النتائج المرجوة ويحقق النجاح المطلوب..إننا بحاجة لعودة النظام المركزي ولكن بثوب جديد وأدوات جديدة وقيادات واعية.. نحن بحاجة لمناهج مركزية مدروسة تنهي عشوائية الكتب المدرسية والملخصات الدراسية ومصادر التعلم العبثية...منهج مركزي يتجاوز مفهوم الكتاب المدرسي كمنهج ويصمم بشكل احترافي ومهني ويقوم عليه ذو الاختصاص..

أما بخصوص الهيئات العاملة في التعليم فانه لا يمكنني تقييم أدائها فهذا اختصاص وحق لا أدعيه...ولكن بحسب فهمي وتجربتي وقراءاتي فان هيئة التعليم يفترض بأن يكون منوط بها الاشراف على العملية التعليمية بمدخلاتها وعملياتها ومخرجاتها وهيئة التقييم مسئولة عن توفير المؤشرات التعليمية التي تبين جوانب القوة والضعف ومواطن التحسين من خلال ما يعرف بالاختبارات الدورية..اذا اختل هذا المفهوم وتحولت هيئة التقييم الى ادارة امتحانات وتحولت هيئة التعليم لمنح التراخيص والرقابة الفنية فإن هناك مشكلة حقيقية لابد من دراستها ومعالجتها...

 

 الإدارات المدرسية

◄  هل الادارات المدرسية اليوم تقوم بدورها على أكمل وجه؟ أم هي بحاجة لتطوير وتأهيل؟

► الاجابة عن هذا السؤال بحاجة لتحرير موطن النزاع وهو تحديد ماهية الدور المتوقع من الادارات المدرسية..بالنظر للدول التي حققت ارقاما صعبة في نتائج طلبتها..نجد ان مفهوم وادوار مدير المدرسة قد تغير جذريا...ليصبح المدير قائدا تعليميا بدلا عن مدير مدرسي وهو ليس تغييرا في المعنى فقط بل هو تغيير في المعنى والمبنى ايضا...القائد التعليمي اليوم يقوم بالعديد من الأدوار من أهمها:

➊  قضاء معظم وقته في الموضوعات والبرامج والممارسات ذات الصلة بالجانب التعليمي وليس الروتين الاداري والتوظيف والمشتريات وغيرها وهي مهمة ولكن يجب ان يقوم بها الفريق المساند وليس القائد المدرسي...فهل مدير المدرسة يقوم بهذا الدور

❷  مساعدة المعلمين بشكل مباشر وتسهيل أمورهم للقيام بأدوارهم على أكمل وجه.. فالحفاظ على وقت المعلم وطاقته ونفسيته ودافعيته لأداء دوره بابداع هو من أهم أدوار القائد التعليمي....فهل مدير المدرسة لدينا يقوم بذلك.

❸ دراسة وتوظيف البيانات والاحصاءات والمعلومات والنتائج وتحليلها لتطوير الممارسات التعليمية في المدرسة بشكل علمي ومنهجي.

➍ رصد مستوى تقدم وتأخر الطلبة واعداد البرامج المساندة وتقييمها بشكل مستمر...فهل المدير لدينا يقوم بذلك

❺ جلب الشراكات الاستراتيجية واختيار التوأمة المناسبة للمدرسة مع جهات ومدارس اخرى للتبادل ونقل الخبرات والاستفادة من تجارب النجاح والفشل لدى الآخرين.

❻ تعزيز الشراكة الأسرية في المدرسة وتوثيق الصلة مع المنزل لرفع مستوى الوعي والمسئولية لدى الأسرة عن تعلم ابنائها...فهل يقوم مدير المدرسة بذلك.

هذه جملة من الأدوار التي يقوم بها القائد التعليمي في الأنظمة التعليمية المتقدمة بالاضافة لأدوار التخطيط والتنظيم والتقييم. ويمكن استخدامها كمسطرة قياس لتقييم ما اذا كان مدير المدرسة لدينا يقوم بالأدوار الحيوية التي يفترض أن يقوم بها أم أنه يقوم بأدوار أقل أهمية وأقل تأثيرا على جودة التعليم.

 

المدرسة مؤسسة تعليمية

◄  إذا وسعنا الحديث وانتقلنا لدور المدرسة بشكل أشمل فهل مدارسنا تقدم تعليما لأبنائنا؟

► لقد أطلق رئيس الوزاء السنغافوري مقولة حول المدرسة لابد من التوقف عندها كثيرا «مدرسة تفكر وطن يتعلم». في المجتمعات المتقدمة اليوم تغير دور المدرسة التقليدي حيث اصبحت مؤسسة مدرسية تقاد وتدار كمؤسسة بنظم جودة وتخطيط وتنفيذ ومتابعة وتطوير مستمر كأي مؤسسة احترافية ناجحة...هذا المفهوم وهو المؤسسة المدرسية هو ما نحن بحاجة ماسة اليه...هذه المدارس اليوم هي مدارس مفتوحة على المجتمع وتقدم العديد من البرامج المجتمعية والتنموية ناهيك عن برامج الدعم لطلبتها ومعلميها وادارتها..هذه المدارس اصبحت مراكز جذب للمواهب والابداعات المدرسية وغير المدرسية واصبحت المدارس مراكز دعم للمبادرات والافكار الجديدة وليست مباني يستفاد منها 6 ساعات في اليوم وتغلق 18 ساعة في اليوم وهذا هدر كبير...هذا المفهوم الجديد للمدرسة ليس فقط له أبعاد مجتمعية وتنموية وأكاديمية ومهنية ايجابية بل ويبعدنا عن كثير من العشوائية التي نراها وكثير من الفردية والمزاجية التي نراها في مدارسنا..وتجعلنا أكثر قدرة على تحقيق النتائج وتطوير العمل ورفع السقف وتحديد مواطن القوة والضعف وسبل التطوير...اضافة الى امكانية البناء واكمال المسيرة عند تغيير الافراد دون حدوث خلل أو فجوات.. والسؤال هنا هل مدارسنا هي مؤسسات مدرسية أم غير ذلك؟

 

أسباب الفشل

◄ قبل الدخول في التصور المقترح للتطوير دعني اسأل هذا السؤال..الكثير من دول العالم تعاني من ضعف أنظمتها التعليمية والكثير قدم مبادرات اصلاح تعليمية ونجح البعض في حين فشل البعض الآخر..أود أن أسأل عن أسباب الفشل لكي تكون دروسا لنا نتعلم منها؟

► هذا سؤال غريب ولكنه ممتاز...من خلال دراستي للعديد من التجارب الناجحة والفاشلة وجدت أن هناك مجموعة من الأسباب التي قد أدت الى فشل العديد من المبادرات ومشاريع الاصلاح التعليمية تجتمع احيانا كلها أو بعضها في مبادرات الاصلاح وأتمنى من كل قلبي أن نعيها ونستفيد منها:

➊ شخصنة مشاريع الاصلاح وارتباطها بأفراد وليس بالدولة أو المؤسسة وهذا من اكثر الاسباب شيوعا في دولنا العربية والخليجية..شخصنة المبادرات تحرمها من المشاركة الواسعة وتثقل كاهل صاحبها لأنه الوحيد المؤمن بها هو والفريق الذي حوله.

❷ البدايات الصفرية.. فكثيرا ما تبدأ مشاريع ومبادرات الاصلاح من الصفر. استراتيجيات جديدة وخطط عمل جديدة وهياكل جديدة واغفال تام لما تم انجازه سابقا وفي بعض الاحيان انتقاد الوضع السابق بشكل حاد لتسويغ عملية نسف القديم...وهذا السلوك يجعلنا دائما في المربع الأول وغير قادرين للانطلاق للمربع الذي يليه. ومن يقرأ الاستراتيجية الكورية لتطوير التعليم مثلا يجد أنها تبدأ من بداية القرن وصولا لما يراد تحقيقه اليوم في اشارة واضحة لثقافة اكمال المسيرة وليست البداية الصفرية.

❸ عدم وضوح الرؤية للجميع بحيث تكون حكرا على رأس الهرم والفريق المساند له أو كما يقولون الشلة المحيطة بالمسؤول. وهذا يفقد المشروع الكثير من المناصرين المحتملين ويضعف الولاء والانتماء لمبادرة الاصلاح.

➍ الصراعات بين القيادات السياسية أو التنفذية أو الفنية وهذا غالبا ما يحدث عند تعدد الشركاء وضبابية مساحة الصلاحيات. والضحية عند حدوث الصراعات، ظاهرة كانت أو خفية، هي المشروع او المبادرة الاصلاحية.

❺ غياب مؤشرات النجاح والفشل فيسير المشروع دون مجسات حساسة أو محطات توقف وتقييم ودراسة كما يقولون بالعامية «سماري» إن وجود المؤشرات تعطي الفرصة لمعرفة جوانب القوة والضعف وبالتالي تعزيز مواطن القوة وايجاد الحلول لمواطن الضعف.

❻ الاعتماد المفرط على الحلول المستوردة دون دراسة الواقع الاجتماعي والثقافي والفني ومحاولة المواءمة، والملائمة لهذه الأفكار قبل محاولة تبنيها على أرض الواقع. فنجاح هذه الحلول في مكان ما لايضمن نجاحها في مكان آخر بالضرورة.

➐ وأخيرا الاستثمار في الحجر قبل البشر. واشير هنا أن مشاريع التطوير عادة بحاجة ماسة لكوادر مدربة وقادرة على حمل المشروع. ولديها الخبرة والدراية والفنية بالمشروع والخبرة القيادية لقيادة عملية التغيير بشكل سلس والحكمة في التعامل مع التحديات والاشكالات اثناء التطبيق. وغياب هذا العنصر أو ضعفه يؤدي لكثير من الاحيان لفشل مبادرات الاصلاح والتطوير.

كلما اجتمعت عناصر أكثر من الاسباب التي ذكرناها كانت فرصة الفشل أكثر وأكبر. والنصيحة لكل صاحب مشروع ومبادرة اصلاح ليس فقط في التعليم وانما في اي مجال آخر أن يدرس هذه الاسباب وغيرها ويعيها ويحاول جاهدا تجنبها.

 

ظاهرة الدروس الخصوصية

◄ ننتقل بالحديث عن بعض الظواهر في العملية التعليمية واحب معرفة وجهة نظرك فيها ولنبدأبظاهرة الدروس الخصوصية.

► كثير من دول العالم وخصوصا النمور الآسيوية لديها ما يعرف بنظام اعادة التمدرس وهو نظام يلتحق به معظم الطلبة لمراجعة واعادة دراسة ما تم دراسته صباحا وهو شكل من اشكال الدروس الخصوصية ولكنه مقنن ومنظم وقد وجد بأن له تأثيرا بالغا على تحسين المستوى الدراسي والتعليمي للطلبة...فنحن لسنا بحاجة لشن الحرب على الدروس الخصوصية وانما بحاجة لتقنين هذه الظاهرة وتنظيمها بشكل يجلب النفع لجميع الأطراف ونستفيد منه لرفع المستوى التعليمي لطلبتنا..ففي كوريا يقضي الطالب من 4 - 6 ساعات يوميا في اعادة التمدرس ونعكس ذلك ايجابا على مستوى الطالب الكوري الذي اصبح ينافس على المراكز الأولى عالميا طوال العقد الماضي.

 

عزوف القطريين عن التعليم

◄ الظاهرة الثانية هي عزوف القطريين خصوصا الذكور عن مهنة التعليم.. ما هي الأسباب برأيك؟

► عزوف الذكور عن مهنة التدريس هي ظاهرة عالمية وليست ظاهرة قطرية فقط...وانما عزوف الاناث عن التعليم ليست ظاهرة عالمية..في مرحلة ما تجاوزت نسبة التقطير من الاناث 90 % خصوصا في المرحلة الابتدائية..والسؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا؟ في تقديري ان نموذج المدارس المستقلة وفكرة العمل لدى أصحاب التراخيص والممارسات التي حدثت من العديد من أصحاب التراخيص وتسلط بعضهم والعشوائية في ادارة المدارس واستلام العديد من اصحاب التراخيص لمدارس دون ان تكون لديهم القدرة والمعرفة والمهارة والكفاءة المطلوبة أثرت كثيرا على رغبة وحماس القطريات في الانضمام للمشروع او المواصلة فيه...لم يعد الكثير من المعلمات القطريات يشعرن بالانتماء او بالقيمة الحقيقية..ناهيك عن شعور بعضهن بالمهانة والتقليل من شأنهن وقدراتهن وتحويلهن لبرامج تدريبية عشوائية وغير مدروسة وعدم وجود ادارة مركزية متفهمة ومساندة... كل هذه العوامل وغيرها أدت إلى عزوف القطريات عن التعليم. وفي تقديري اذا ما عادت الأمور لنصابها وتم تغيير النموذج والحد من العشوائية والتسلط ستكون هناك عودة للقطريات لسلك التعليم. لذلك ادعو لمراجعة فكرة المدارس المستقلة فلم يعد للمسمى مكان والغاء فكرة صاحب الترخيص لأنها لم تثبت نجاحها واستبدالها بأنظمة وأفكار أكثر فاعلية.

 

◄ تجارب الآخرين في التطوير

◄ السؤال الأكثر أهمية وهو الحلول المقترحة للتطوير..ولنبدأ بالدروس المستفادة من تجارب الآخرين في عملية التطوير؟

► كما يقولون الحكمة ضالة المؤمن.. بدراسة التجارب العالمية وخلاصات الدراسات الميدانية يمكن الخروج بمجموعة من الدروس المستفادة في طريقنا لتشكيل خريطة الطريق... ومن بين هذه الدروس:

➊ وجود إرادة التغيير الحقيقية وهذه الارادة يجب ان تكون مقرونة بتخطيط سليم وأدوات مساندة منهجية. وبالنظر مثلا للتجربة السنغافورية نجد انها من أكثر النظم التي تواجدت فيها إرادة التغيير وتبنت أنظمة الجودة في عملها على مشروع تطوير التعليم.

❷ مشاركة المجتمع بطريقة منهجية وعلمية بحيث يساند المدرسة في تحقيق أهدافها والنموذج الكندي والفنلندي شاهدان على ذلك.

❸ جذب الكوادر المميزة للتعليم والاستثمار فيها ودعمها لأداء مهامها على أكمل وجه والنموذج السنغافوري والفنلندي أكبر شاهد على ذلك بحيث كان الكادر البشري وليس غيره فرس الرهان على نجاح منظومتها التعليمية.

➍ التركيز على مواضع الألم وعلاجها بطريقة علمية ومنهجية وتطبيق العلاج بشكل حازم وصارم أمر حيوي في احداث الفرق، والنموذج الياباني ذو الأولويات السبع خير شاهد على ذلك. وضرورة الابتعاد عن الحلول الشمولية التي ترهق كاهل الجهاز المنفذ وترهق ميزانية الدولة وكثيرا ما تنتهي إما بالفشل أو التأخير أو الأثر القليل وتصبح حركتها سلحفاتية.

❺  تحقيق الانضباط التام من قبل الجميع الطلبة والادارة والمعلمين وأولياء الامور والادارة المركزية وجميع الانظمة التعليمية المتقدمة شاهدة على ذلك. واذا كان لي استطراد فانني أقول انني مع فكرة التعلم بالتعب وليس التعلم باللعب. ان الانضباط والالتزام من اهم مقومات نجاح اي نظام تعليمي واذا اختل هذا الجانب اخلت النتائج المتوقعة منه كذلك. واذا لم ابالغ فاننا بحاجة لانضباط عسكري في نظامنا التعليمي.

هذه الخماسية اذا تحققت يمكن لها ان تنير لنا الطريق وتساعدنا على الوصول لمبادرة حقيقية وليست اعلامية ومبادرة قوية متينة وليست هشة أو هلامية.

 

مقترحات تطوير التعليم

◄  هذه عبارة عن ارشادات عامة تدور حول الحل ولكن اذا ما أردنا أن نغوص أكثر في بعض المرئيات المقترحة لتطوير التعليم في قطر فبماذا يمكن أن تفيدنا؟

► المقترح الذي أراه يرتكز على خماسية أفكار رئيسية على عدة مستويات وهذه الخماسية مبنية على فكرة الأولويات وليس الاصلاح الشمولي الذي فشل في كثير من التجارب وقد تصلح هذه الأولويات لبداية مشروع اصلاحي للتعليم وبمجرد أن تظهر نتائجها يمكن البناء عليها وتطويرها والمضي بها قدما لتحقيق الطموح. واذا ما تم الاقتناع بهذه الأولويات أو غيرها من الأولويات فلابد من تضافر الجهود وتوحيد الرؤى والموارد لتحقيقها بأفضل صورة ممكنة ومن ثم البناء عليها.

➊ الأولوية الأولى هي العودة للأساسيات وهو التركيز على المبادئ الأساسية للقراءة والحساب والعلوم واللغات. لقد تميز تعليمنا في السابق بالتأسيس الجيد فكانت الأجيال على قدرة عالية في القراءة والحساب ولا يصل الطالب لنهاية المرحلة الابتدائية الا وهو متمكن من الأساسيات ولكن هل هذا هو الحال مع اجيال اليوم.. الاختبارات الدولية تقول ان مستوى القراءة لدى ابنائنا منخفض جدا ونحن كمجتمع نشعر ونعرف ذلك...ولكننا بحاجة لجرأة الاعتراف وسرعة الحل. نحن بحاجة لمناهج مدرسية قوية وبرامج مدرسية مساندة ليس للطلبة المتأخرين دراسيا وانما لجميع الطلبة وذلك لرفع مستوى التحصيل الدراسي لأقصى ما يمكن. إننا بحاجة لبرامج مساندة في الرياضيات واللغات واللغة العربية على وجه الخصوص. برامج قوية ومجربة وذات فاعلية.

❷ الأولوية الثانية هي على مستوى المدرسة فاننا بحاجة للتركيز على القائد المدرسي والمعلم ليس من خلال دورات تدريبية عشوائية او رخص مهنية خاوية او دورات تأهيلية غير ذات جدوى وانما من خلال التدريب على رأس العمل من خلال المدرب والخبير المقيم في المدرسة للقادة التربويين وللمعلمين فيكون تدريبه ذا علاقة مباشرة بالميدان وبالحاجة وبالواقع الذي يعيشه القائد والمعلم. وهناك العديد من التجارب العالمية في هذا المجال. وتؤكد العديد من الدراسات والتجارب العالمية ان القيادة والتعليمية والأداء الناجح للمعلم من أهم عناصر نجاح وفشل المنظومات التعليمية ان لم تكن أهمها على الاطلاق..فعلى سبيل المثال فان التجربة الفنلندية والتجربة السنغافورية تؤكدان على:

➊ ان الأهم من تنمية مهارات المعلم والقائد هو التركيز على قناعاته وقيمه وسلوكياته لأنها تؤثر في ادائه بشكل مباشر وتؤثر على الطلبة والمستوى التعليمي من جهة أخرى.

❷ كما تؤكد التجاربان زيادة وقت التفاعل والتواصل بين المعلم والطالب له أثر كبير في زيادة التحصيل العلمي.

❸ كما أن الدعم الاكاديمي الذي تقدمه المدرسة للطالب له أثر مباشر على رفع مستوى التحصيل الدراسي في المدرسة.

➍ الأولوية الثالثة وهي على مستوى الطالب حيث تركز جميع الأنظمة التعليمية على بناء شخصية الطالب بشكل كبير وليس فقط المواد الدراسية. فعلى سبيل المثال فان التربية الاخلاقية وتنمية المهارات القيادية هي كما قلنا في قلب النظام التعليمي السنغافوري. ومن تجاربهم يقولون إن المتعلم الذي له أهداف واضحة في الحياة وعلى دراية بما يجري من حوله ويمتلك بعض المهارات القيادية والشخصية يكون أكثر ثقة بنفسه وأكثر حرصا على تعليمه وأكثر انضباضا في حياته ومدرسته. وقد اثبتت التجارب والدراسات ان الطلبة الذين يتمتعون بقدر اكبر من الانضباط ولديهم قدر أكبر من الاهتمام بتحقيق نتائج عالية عادة ما يحققون نتائج أفضل. لذلك فنحن بحاجة في مدارسنا لبرامج لتنمية الذات وتطوير القدرات لطلابنا اضافة لجرعات كبيرة في موضوع الهوية والحفاظ عليها. وبحسب ممارسات بعض المدارس المتميزة في امريكا فقد تم استحداث منصب مدير برامج بناء الشخصية في هذه المدارس معني بهذا الجانب بشكل مباشر. ان طلبتنا وللاسف الشديد يعيشون حالة استرخاء سلبية، وأن كثيرا منهم في خصومة مع العلم والمعرفة والكتاب. وهذا ما يجب ان نعمل على انهائه او التخفيف منه لأن له آثارا سلبية كبيرة.

❺ الأولوية الرابعة هي على مستوى الادارة المركزية وتركز على ضرورة وجود نظام جودة معتمد للمدارس يستخدم كمسطرة للتقييم الذاتي والتقييم الخارجي وجمع المعلومات والبيانات واستخدامها للتطوير المستمر. ان النظام السنغافوري وغيره من الأنظمة قد تبنى هذا التوجه منذ فترة طويلة جدا وقد آتت أكلها وحان لنا أن يكون لدينا مثل هذه المنظومة.

❻ والأولوية الخامسة هي ثقافة المجتمع، بحسب التجارب العالمية فان نجاح التعليم في هذه الدول مرهون لحد كبير بثقافة الأسرة والمجتمع وكلما كانت هذه الثقافة ايجابية وداعمة للتعليم، كانت النتائج أفضل، وكلما كانت الثقافة مسترخية وسلبية نحو التعليم صعب تحقيق نتائج استثنائية. ففي فنلندا على سبيل المثال فان الطالب يأتي من المنزل وهو محب للقراءة ومحب للكتاب ومحب للمعرفة والاطلاع بل ويعرف القراءة والكتابة وفي الصين والتي تحتل حاليا المركز الأول على العالم من خلال نتائج شنغهاي ومركز متقدم من خلال نتائج هونج كونج فان استراتيجية تطوير التعليم بدأت من الأم الصينية وغيرها من الاستراتيجيات ومبادرات تطوير التعليم اعتمدت بشكل كبير على تعاون الاسرة والتزامها بتعليم ومتابعة اداء ابنائها. ففي كوريا يقول مدير تطوير التعليم في كوريا اننا نعاني من مبالغة الأسرة الكورية في الاهتمام بالتعليم ونحاول تخفيف هذا الأمر لأنه يشكل ضغطا اضافيا على الطلبة. كما اننا بحاجة لتعزيز الهوية بجميع مكوناتها الثقافية والاجتماعية وجعل ابنائنا يعتزون بهذه الهوية ويسعون للحفاظ عليها فمجتمع بلا هوية لا يصنع تنمية ولا نهضة.

◄ ختاما ،، ماذا يمكن ان تضيف

► إننا بحاجة للتركيز على عدد محدود من الأولويات ذات العلاقة المباشرة برفع مستوى مخرجاتنا العليمية وتحسينها. اننا في قطر نستحق تعليما عال الجودة ونستحق مدارس أفضل ونستحق نتائج أفضل ويمكن ان نكون سنغافورة العرب في التعليم. وأتمنى بوجود قيادات سياسية وتعليمية شابة وجديدة، أن توفق بتبني مشروع تطويري طموح للتعليم يحقق لها ما تصبو إليه ونصبو إليه من نتائج.

الموقع الرسمي للكاتب الصحفي

 

www.jaber-alharmi.com

Doha - Qatar

جميع الحقوق محفوظة@2015-2017

 

أنت الزائر رقم